الشريف المرتضى
169
الذخيرة في علم الكلام
عليكم إذا جحدتم المعارف التي تدّعي مخالفكم أنها فيكم ضرورة . والجواب عن ذلك : أن العلم بوجوب النظر المفصّل في طريق المعرفة انما يحصل عند الخوف في ابتداء التكليف ، ويحصل لبعض العقلاء في حال لا يحصل فيها بجماعتهم لاختلاف أحوالهم . ولا يمنع مع ذلك أن يدخل بعضهم على نفسه شبهة فيزول هذا الخوف ، فلا يعلم وجوب النظر عليه . لأن العلم بوجوب هذا النظر انما هو علم بوجوب ماله صفة مخصوصة يجوز أن يعترض شبهة فيها ، ويجري ذلك مجرى ادخال الخوارج على أنفسهم شبهة في مثل مخالفيهم الذي هو ظلم على الحقيقة ، حتى اعتقدوا حسنه لما جهلوا صفته المخصوصة . وقد قيل : إن الخوف ربما كان مغمورا ببعض الأمور ، فلا يجده الانسان من نفسه لانغماره ، ومثّل ذلك بمن يشفى على الموت بالمرض الشديد وفي أمواله حقوق وعليه مظالم ، فإنه لا بدّ أن يكون خائفا من اهمال الوصية وعالما بوجوبها عليه ، ومع ذلك ربما ذهب عن هذا الداعي ولهى عنه وصار خوفه مغمورا ، وان كان ثابتا . وبعد ، فما نعرف من أصحاب المعارف ومن يدعي أنها ضرورية ، جماعة ينكرون [ العلم بوجوب النظر لا يجوز على مثلهم جحد الضرورة . فأما أصحاب التقليد فما ينكرون ] « 1 » النظر الذي هو الفكر والتأمل ، وانما ينكرون المناظرة وهي غير النظر ، وربما ألجأتهم الحال إلى المناظرة واستعملوها مع اعتقادهم فسادها . فقد بان بجميع ما ذكرناه الفرق بيننا إذا ادعينا العلم بوجوب النظر وبين أصحاب المعارف إذا ادّعوا عموم المعرفة باللّه تعالى للعقلاء مع انكارهم لها
--> ( 1 ) الزيادة من م .